أحمد مصطفى المراغي
21
تفسير المراغي
( إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) هذا جواب من إبراهيم حين كسر الأصنام التي تعبد من دون اللّه ، وسفّه أحلام عابديها ، فسأله نمروذ عن ربه الذي يدعو إلى عبادته قال : ( رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ) . فأنكر الملك الطاغية هذا الجواب . و ( قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ) أي أنا أحيا من حكم عليه بالإعدام بالعفو عنه ، وأميت من شئت إماتته بالأمر بقتله . وهذا الإنكار من ذلك الملك الجبار يدل على أنه لم يفهم قول إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم ، فإن الحياة في جوابه بمعنى إنشاء الحياة في جميع العوالم الحية من نبات وحيوان وغيرها ، وإزالة الحياة بالموت - وفي جواب نمروذ بمعنى أنه يكون سببا في الإحياء والإماتة ، من أجل هذا أوضح إبراهيم جوابه كما حكى سبحانه عنه . ( قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ ) أي إن ربي الذي يعطى الحياة ويسلبها بقدرته وإرادته ، هو الذي يطلع الشمس من المشرق ، فهو المكوّن لهذه الكائنات على ذلك النظام البديع ، والسنن الحكيمة التي نشاهدها ، فإن كنت تستطيع أن تفعل كما يفعل ، فغيّر لنا شيئا من هذه النظم ، فالشمس تطلع من المشرق فحوّلها وائت بها من المغرب . ( فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ) أي فدهش ولم يجد جوابا ، وكأنما ألقمه حجرا . ( وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) أي إن اللّه لا يهدى من أعرض عن قبول الهداية ، ولم ينظر في الدلائل التي توصل إلى معرفة الحق ويستسلم للطاغوت ، ويترك ما أعطاه اللّه من الفهم ، اتباعا لهواه وشهواته التي تزين له ما هو فيه ، وهو حينئذ قد ظلم نفسه وضلّ ضلالا بعيدا .